عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

52

اللباب في علوم الكتاب

تركوهم أحياء في الدنيا على مناهج الإيمان والجهاد ؛ ليعلمهم أنهم إذا استشهدوا لحقوا بهم ، ونالوا من الكرامة ما نالوا هم ؛ فلذلك يستبشرون . وقال الزّجّاج وابن فورك : الإشارة - بالاستبشار للذين لم يلحقوا بهم - إلى جميع المؤمنين - وإن لم يقتلوا - ولكنهم لما عاينوا ثواب اللّه وقع اليقين بأن دين الإسلام هو الحقّ الذي يثيب اللّه عليه ، فهم فرحون لأنفسهم بما آتاهم اللّه من فضله ، مستبشرون للمؤمنين بأن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون . قوله : أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فيه وجهان : أحدهما : أن « أن » وما في حيّزها في محل جرّ ، بدلا من « بالذين » بدل اشتمال ، أي يستبشرون بعدم خوفهم وحزنهم ، فهو المستبشر به في الحقيقة ، لأن الذوات لا يستبشر بها . الثاني : أنها في محل نصب ؛ على أنها مفعول من أجله ، أي : لأنهم لا خوف عليهم . و « أن » - هذه - هي المخفّفة ، واسمها ضمير الشأن ، وجملة النفي بعدها في محل الخبر . فإن قيل : الذوات لا يستبشر بها - كما تقدم - فكيف قال : وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا ؟ فالجواب أن ذلك على حذف مضاف مناسب ، تقديره : ويستبشرون بسلامة الذين ، أو لحوقهم بهم في الدرجة . وقال مكيّ - بعد أن حكى أنها بدل اشتمال - : ويجوز أن يكون في موضع نصب ، على معنى : بأن لا وهذا - هو بعينه - وجه البدل المتقدّم ، غاية ما في الباب أنه أعاد مع البدل العامل في تقديره اللهمّ إلا أن يعني أنها - وإن كانت بدلا من « الذين » - ليست في محل جرّ ، بل في محل نصب ، لأنها سقطت منها الباء ؛ فإن الأصل : بأن لا ، وإذا حذف منها حرف الجر كانت في محل نصب - على رأى سيبويه والفرّاء - وهو بعيد . قوله تعالى : [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 171 إلى 172 ] يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ( 171 ) الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ ( 172 ) لما بيّن - تعالى - انهم يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم ، بيّن - هنا - أنهم يستبشرون لأنفسهم بما رزقوا من النعيم ، ولذلك أعاد لفظ الاستبشار . فإن قيل : أليس أنه ذكر فرحهم بأحوال أنفسهم - والفرح عين الاستبشار - فلزم التكرار ؟ فالجواب من وجهين : أحدهما : أن الاستبشار هو الفرح التامّ ، فلا يلزم التكرار .